ابن رشد
184
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
المعاد ومعرفة ما بينهما ، لاستدعى ذلك مجلدات كثيرة ، مع اعترافنا بالقصور عن استيفاء ذلك . ولهذا قيل في هذه الشريعة : إنها خاتمة الشرائع . وقال عليه السلام : " لو أدركني موسى ما وسعه إلا اتباعي " ، « 55 » وصدق صلى اللّه عليه وسلم . [ 278 ] ولعموم التعليم الذي في الكتاب العزيز ، وعموم الشرائع التي فيها ( - فيه ) ، أعني كونها مسعدة للجميع ، كانت هذه الشريعة عامة لجميع الناس . ولذلك قال تعالى : « قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً » ( الأعراف 158 ) . وقال عليه السلام " بعثت إلى الأحمر والأسود " « 56 » ، فإنه يشبه أن يكون الأمر في الشرائع كالأمر في الأغذية : وذلك أنه كما أن من الأغذية أغذية تلائم جميع الناس أو الأكثر ، كذلك ( 62 / و ) الأمر في الشرائع . فلهذا المعنى كانت الشرائع التي قبل شريعتنا هذه إنما خص بها قوم دون قوم . وكلفت شريعتنا هذه عامة لجميع الناس . [ 279 ] ولما كان هذا كله إنما فضل فيه صلى اللّه عليه وسلم الأنبياء ، لأنه فضلهم في الوحي الذي به استحق النبي اسم النبوة ، قال عليه السلام منبها على هذا المعنى الذي خصه اللّه به : " ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما على مثله آمن جميع البشر . وإنما كان الذي أوتيته وحيا . وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعا يوم القيامة " . [ 280 ] وإذا كان هذا كله كما وصفنا ، فقد تبين لك أن دلالة القرآن على نبوته صلى اللّه عليه وسلم ليست هي مثل دلالة انقلاب العصا حية على نبوة موسى عليه السلام ، ولا إحياء الموتى على نبوة عيسى ، وإبراء الأكمه والأبرص . فان تلك وإن كانت أفعالا لا تظهر إلا على أيدي الأنبياء ، وهي مقنعة عند الجمهور ، فليست
--> ( 55 ) الداراني : . . . عن جابر ابن عبد اللّه أنّ عمر بن الخطّاب أتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب ، فقرأه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فغضب ، فقال : أمتهوّكون فيها يا ابن الخطاب ؟ والّذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة . لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدّقوا به ، والّذي نفسي بيده لو أنّ موسى صلّى اللّه عليه وسلّم كان حيّا ما وسعه إلّا أن يتبعني . ( 56 ) . . . عن أبي ذر أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : أعطيت خمسا لم يعطهنّ نبيّ قبلي : بعثت إلى الأحمر والأسود ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي ، ونصرت بالرّعب شهرا يرعب مني العدوّ مسيرة شهر / وقيل لي سل تعطه فاختبأت دعوتي شفاعة لأمّتي ، وهي نائلة منكم إن شاء اللّه تعالى من لم يشرك باللّه شيئا .